افتتاحية جريدة كوردستان العدد 780 (الارتقاء بالمرحلة… مسؤولية وطنية وقومية)

افتتاحية جريدة كوردستان العدد 780  (الارتقاء بالمرحلة… مسؤولية وطنية وقومية)

كوردستان
تدخل سوريا اليوم مرحلةً مفصليةً من تاريخها الحديث، مرحلة لا تُقاس فقط بتغيير المؤسسات أو إعادة تشكيل السلطة، بل بقدرة السوريين جميعاً على بناء دولة جديدة تتجاوز إرث الاستبداد والإقصاء، وتؤسّس لعقدٍ وطني يقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والشراكة الحقيقية بين جميع مكوّناتها القومية والدينية والثقافية والسياسية.

في هذا السياق، فإن القضية الكردية تشكل أحد مفاتيح الاستقرار الوطني وبناء سوريا المستقبل. فمعالجة هذه القضية وفق المبادئ الديمقراطية والدستورية، وفي إطار وحدة البلاد، تمثّل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة السورية في الانتقال من مرحلة الإنكار إلى مرحلة الاعتراف، ومن سياسة الإقصاء إلى سياسة الشراكة.

وأمام هذه التحوُّلات، تبرزُ مسؤولية المجلس الوطني الكردي بوصفه إطاراً سياسياً وطنياً وقومياً حمل على عاتقه الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي، وربطها بمشروع وطني ديمقراطي لسوريا كلّها.

اليوم، تفرض المرحلة على المجلس أن يرتقي أكثر فأكثر في أدائه السياسي والتنظيمي، وأن يعزّز الانسجام بين مكوّناته وأحزابه، وأن يقدّم أنموذجاً في العمل المؤسسي القائم على الحوار، واحترام التنوُّع الداخلي، ووحدة القرار، بما يعزّز ثقة جماهيره ويكرّس حضورَه شريكاً أساسياً في رسم مستقبل البلاد.

إن المؤتمرَ القادمَ للمجلس الوطني الكردي لا ينبغي أن يكون محطةً تنظيميةً فحسب، بل مناسبة سياسية لإعادة تجديد الرؤية، وتطوير آليات العمل، وإشراك مختلف الطاقات والكفاءات، وصياغة خطاب أكثر قرباً من هموم المواطنين، وأكثر قدرة على مخاطبة الداخل السوري والرأي العام الإقليمي والدولي. فنجاحُ المؤتمر

سيكون رسالةً أن الحركة السياسية الكردية قادرة على تطوير أدواتها وتجديد مشروعها، دون أن تتخلى عن ثوابتها الوطنية والقومية.

في المقابل، فإن الحكومة الانتقالية السورية تقف أمام اختبارٍ تاريخيٍّ لا يقلُّ أهميةً. فنجاحُ المرحلة الانتقالية لن يقاس بإجراء انتخابات أو تشكيل مؤسسات جديدة فقط، وإنما بقدرتها على ترسيخ مبادئ التعدُّدية السياسية، والاعتراف بالتعدُّد القومي والثقافي والديني، وإرساء نظام دستوري يضمنُ المساواة الكاملة بين المواطنين، ويصون حقوقَ جميع المكوّنات دون تمييز أو إقصاء.

إنّ سوريا التي ينشدُها أبناؤُها هي دولةٌ تتّسعُ للجميع، لا تلغي أحداً، ولا تفرضُ هويةً أحاديةً على مجتمع متعدد. إن قوة سوريا المستقبل ستنبع من تنوّعها، وسيكون استقرارها أكثر رسوخاً عندما يشعر كل مواطن، عربياً كان أم كردياً، سريانياً أم آشورياً، أرمنياً أو تركمانياً، مسلماً أو مسيحياً أو إيزيدياً، بأنه شريك كامل في وطنه.

إنّ المرحلةَ القادمةَ تستدعي خطاباً مسؤولاً، وإرادةً سياسيةً شجاعةً، وتغليب لغة الحوار على الصراع، والتوافُق على مشروع وطني جامع يحفظ وحدةَ البلاد، ويصونُ حقوقَ جميع مكوّناتها، ويطوي صفحات الماضي نحو مستقبل يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة وسيادة القانون.

كما إنّ حزبَنا الديمقراطي الكوردستاني - سوريا، بما يمتلكه من تجربةٍ سياسيةٍ ورصيدٍ نضاليّ وجماهيري، مدعو اليوم إلى أن يكون في طليعة القوى الساعية إلى هذا التحوُّل، وأن يعزّز وحدته الداخلية، ويطوّر أداءه، ويجدّد أدواته، ليبقى صوتاً معبراً عن تطلُّعات الشعب الكردي، وشريكاً فاعلاً في بناء سوريا ديمقراطية تعدُّدية، موحّدة بأبنائها، قوية بتنوّعها، ومزدهرة بشراكة جميع مكوناتها.