كلمة محمد إسماعيل.. رئيس المجلس الوطني الكوردي وسكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا في ملتقى الجزيرة للسلم الأهلي

كلمة محمد إسماعيل.. رئيس المجلس الوطني الكوردي وسكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا في ملتقى الجزيرة للسلم الأهلي

PDK-S
السادة وجهاء وشيوخ العشائر العربية والكردية
السادة ممثلو القوى والأحزاب والكيانات السياسية
السادة رجال الدين الافاضل
السادة الشخصيات الاجتماعية والثقافية والوطنية
الأخوات والأخوة الحضور جميعاً
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يسعدني أن أكون بينكم اليوم في ملتقى الجزيرة للسلم الأهلي، وفي هذا اللقاء الذي يأتي في مرحلة دقيقة وحساسة من تاريخ منطقتنا وبلدنا، حيث تبرز أمامنا مسؤولية كبيرة، تتمثل في حماية مجتمعنا وتعزيز أمنه واستقراره، وترسيخ ثقافة التعايش والاحترام المتبادل.
إن محافظة الحسكة، بكل ما تمثله من تنوع قومي وديني وثقافي واجتماعي، تستطيع أن تكون نموذجاً للسلم الأهلي والتعايش المشترك في سوريا، كما يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة وغنى، لا سبباً للخلاف والانقسام.
لقد عاشت منطقتنا، خلال السنوات الماضية، ظروفاً قاسية وتحديات كبيرة، وتعرض مجتمعنا لأزمات وحروب ونزوح وفقدان للأمن والاستقرار، وظهرت في بعض المراحل توترات وخطابات وممارسات تهدد النسيج الاجتماعي.
واليوم، ونحن أمام مرحلة جديدة في سوريا، فإن حاجتنا إلى السلم الأهلي والاجتماعي أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
السلم الأهلي ليس ترفاً، وليس مسؤولية طرف واحد، وليس ملفاً أمنياً فقط؛ بل هو مسؤولية المجتمع كله.
هو مسؤولية الدولة ومؤسساتها، ومسؤولية القوى السياسية، ومسؤولية العشائر والوجهاء، ومسؤولية رجال الدين، ومسؤولية النخب الثقافية والإعلامية، ومسؤولية كل فرد منا.
وأعتقد أن أول خطوة في هذا الطريق هي أن ندرك جميعاً أن لا أحد يستطيع أن يبني مستقبله على حساب مستقبل الآخر، وأن أمن الكردي من أمن العربي، وأمن العربي من أمن الكردي، وأمن السرياني والآشوري والأرمني وجميع أبناء المنطقة هو جزء من أمننا جميعاً.
إن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا:
يجمعنا الوطن، والجغرافيا، والمصالح المشتركة، والعيش المشترك، والعلاقات الاجتماعية المتداخلة، والمصير الواحد.
ومن هنا، فإن الخلاف السياسي يجب ألا يتحول إلى خلاف اجتماعي، والخلاف في الرأي يجب ألا يتحول إلى خصومة بين أبناء المجتمع، وأي حادث فردي يجب ألا يتحول إلى قضية بين عشيرتين أو مكونين أو قوميتين.
لا يجوز أن نعاقب مجتمعاً بأكمله بسبب فعل فرد، ولا أن نحمّل مكوناً بأكمله مسؤولية تصرف شخص أو مجموعة منه.
والاحتكام إلى القانون والقضاء ومؤسسات الدولة هو الطريق الذي يحمي الجميع. أما الانتقام والثأر والفوضى وأخذ الحقوق باليد، فإنها لا تعيد حقاً ولا تحمي كرامة، وإنما تفتح أبواباً جديدة للدم والفتنة والانقسام.
العشائر كانت وستبقى مكوناً أصيلاً من مكونات مجتمعنا، ولها دور مهم في الإصلاح والمصالحة واحتواء الخلافات، وهذا الدور يجب أن يبقى داعماً للسلم الأهلي، ومسانداً للقانون.
أيها الإخوة والأخوات:
أمامنا اليوم تحديات حقيقية، من بينها الوضع الاقتصادي الصعب، والبطالة، والفقر، وانتشار السلاح، وضعف الثقة بين بعض المكونات، والتوترات السياسية، وخطاب الكراهية والتحريض، ومحاولات استثمار الخلافات الاجتماعية لتحقيق أهداف سياسية.
لكن، في المقابل، لدينا فرص كبيرة.
لدينا مجتمع عريق يعرف معنى التعايش، ولدينا تاريخ طويل من العلاقات بين العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن وغيرهم، ولدينا عشائر ووجهاء وشخصيات دينية وسياسية قادرة على لعب دور إيجابي، ولدينا جيل من الشباب الذي يريد أن يعيش في بيئة آمنة ومستقرة، ولدينا فرصة لبناء مرحلة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والمساواة واحترام التنوع.
وهذه الفرصة يجب ألا نضيّعها.
علينا أن ننتقل من مجرد الحديث عن السلم الأهلي إلى بناء منظومة حقيقية للسلم الاجتماعي، تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامع والكنيسة والمجتمع المحلي، وتصل إلى الأحزاب والإدارة والدولة.
وأقترح في هذا الإطار أن نعمل جميعاً على عدد من المبادئ:
أولاً: احترام القانون ومرجعية القضاء ومؤسسات الدولة، ورفض العدالة الفردية والثأر والانتقام.
ثانياً: رفض خطاب الكراهية والتحريض القومي والديني والمناطقي، سواء صدر من سياسي أو رجل دين أو ناشط أو إعلامي.
ثالثاً: تعزيز التواصل والحوار بين المكونات والعشائر والقوى السياسية، وعدم انتظار وقوع المشكلة حتى نتحرك.
رابعاً: تشكيل أو تفعيل أطر محلية للحوار والمصالحة والإنذار المبكر، تضم ممثلين عن مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية والدينية، بهدف معالجة الخلافات قبل أن تتحول إلى أزمات.
خامساً: العمل على حماية الشباب من الاستقطاب والتطرف والعنف، وفتح المجال أمامهم للمشاركة في الحياة العامة وبناء مستقبلهم.
سادساً: أن يكون الإعلام وسيلة لتهدئة المجتمع، لا منصة لتأجيج الخلافات ونشر الشائعات والاتهامات.
سابعاً: تعزيز مبدأ المواطنة المتساوية، بحيث يشعر كل مواطن، أياً كان انتماؤه القومي أو الديني أو السياسي، أن له مكاناً متساوياً في وطنه، وأن حقوقه مصانة بالقانون.
أيها الحضور الكريم:
إن السلم الأهلي لا يعني أن نتفق جميعاً على كل شيء.
نحن مختلفون في السياسة، وقد نختلف في الرؤية والموقف، ولكن يجب ألا نختلف على حرمة الدم، وكرامة الإنسان، وأمن المجتمع، وحق الجميع في العيش بسلام.
نستطيع أن نختلف سياسياً، ونبقى شركاء اجتماعياً ووطنياً.
ونستطيع أن نحافظ على خصوصية كل مكون من مكونات مجتمعنا، وفي الوقت نفسه نبني جسوراً متينة بين الجميع.
وهنا أرى أن محافظة الحسكة يمكن أن تقدم نموذجاً سورياً مميزاً، نموذجاً يقول: إن التنوع ليس خطراً، وإن التعدد ليس ضعفاً، وإن الكردي والعربي والسرياني والآشوري والأرمني، والمسلم والمسيحي، يستطيعون أن يعيشوا معاً في إطار المواطنة والاحترام المتبادل.
إن سوريا التي نريدها هي سوريا التي يشعر فيها الجميع أنهم مواطنون متساوون، وتحترم فيها الخصوصيات والتنوع، وتُحل فيها الخلافات بالحوار والقانون، لا بالسلاح أو العنف.
وفي هذه المرحلة، نحن بحاجة إلى تهدئة النفوس قبل تهدئة الشوارع، وإعادة بناء الثقة قبل بناء المؤسسات، وترميم العلاقات الاجتماعية قبل أن تتسع الفجوات بين أبناء المجتمع الواحد.
ومن هنا، فإن رسالتنا من هذا الملتقى يجب أن تكون واضحة:
لن نسمح للخلاف السياسي أن يتحول إلى فتنة اجتماعية.
لن نسمح للحوادث الفردية أن تتحول إلى صراع بين المكونات.
لن نسمح لخطاب الكراهية أن يهدم ما بناه آباؤنا وأجدادنا من علاقات وتعايش.
وسنكون جميعاً شركاء في حماية السلم الأهلي وصيانة كرامة الإنسان.
وأتوجه بشكل خاص إلى شيوخ ووجهاء العشائر العربية والكردية، وإلى رجال الدين، وإلى القوى السياسية، بأن نضع اختلافاتنا جانباً عندما يتعلق الأمر بأمن مجتمعنا وسلامة أبنائنا، وأن نجعل من الحكمة وضبط النفس والمصالحة لغة مشتركة بيننا.
إن قوة الحسكة ليست في مكون واحد، ولا في عشيرة واحدة، ولا في حزب واحد؛ قوتها في جميع أبنائها عندما يتعاونون ويحترمون بعضهم بعضاً.
فلنجعل من هذا الملتقى بداية لعمل مستمر، لا مجرد مناسبة عابرة.
ولنجعل من الحسكة والجزيرة مساحة للحوار والتعايش والمصالحة، ونموذجاً يمكن أن تستفيد منه بقية المناطق السورية.
وفي الختام، أتوجه بالشكر لكل من ساهم في عقد هذا الملتقى، ولكل شيخ ووجيه ورجل دين وسياسي ومثقف وشخصية اجتماعية حضر اليوم، لأن مجرد اجتماعنا حول قضية السلم الأهلي هو رسالة بحد ذاته.
حفظ الله أبناء الجزيرة، وحفظ أهلها بكل مكوناتهم، وحفظ سوريا، وجعل مستقبلها قائماً على السلام والعدالة والمواطنة والتعايش.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته